تستيقظ صباحاً..يوم اخر؟..تقف امام مرآه الحمام تهرش في رأسك المشعث، تفكر ان شعرك بحاجه إلي حلاقة، وذقنك بحاجه إلي تشذيب..لكنك لا تملك الوقت للأولي..أو المود للثانية..
تلقي هذه الأفكار خلف ظهرك، لتتوضأ وتصلي الصبح لأنك لا تبدأ يومك الا بالصلاه..بعدها تتجه إلي المطبخ ..والدتك تعد غذاءها الذي تأخذه معها إلي المكتب..تلقي عليها التحية ثم انك تضع البراد علي البوتاجاز متثاؤباً..
تودع والدتك التي تنزل إلي يوم عمل جديد، وتعود لتصب الشاي وتفتح الثلاجة لتجد ان البسكويت قد نفذ، فتزفر في ضيق وتنظر ناحية البقسماط النحيل كأنه أقلام رصاص وتفكر انه سيكون إفطار اليوم ..
تحمل الشاي والبقسماط وتذهب لتفتح الكمبيوتر..تقرأ الأخبار الصباحية السريعة بشرود وتفكر في أشياء كثيرة لتجد ان عواطف جمة تتملكك فتسيطر عليها في حزم..ليس الان !
تغلق الكمبيوتر، وتنهض لتجهز ما سترتديه..هذا القميص، حسناً..لكنه بحاجه إلي مكواه..تقف لتكوي بشرود وتفكر في أشياء كثيرة ..ستكمل 20 عاماً قريباً وهذا خطير..لهذا تطاردك لمحات عديدة من الماضي..حنين جارف يجذبك إلي الطفولة والبساطة والسهولة..يقولون انه no such a thing like grow up لكنك لا تعتقد ان المقولة محقة إلي هذا الحد..النضوج بما يحمله من هموم ومسئوليات..أي شئ جميل في هذا؟
لهذا انت تقلّب في كتبك القديمة ومجلات الطفولة ..تتربع علي الأرض ولا تشعر بنفسك الا وانت تفرش هذه المجلدات امامك وتطالعها بجنون ..تبحث عن الكلمة التي كتبتها هنا منذ عشرة سنوات علي الأقل..بقعة المانجو التي ما زالت اثارها موجودة عندما كنت تلتهما فوق صفحات هذه المجلة هناك..
تفيق علي لسعة مكواه..فتذهب لتضع يدك تحت الماء البارد..ثم تعود لترتدي ملابسك وتجهز حقيبتك..تمد يدك نحو الهاتف المحمول..تتصفحه سريعاً..لازلت عند رأيك بأنه ألعن اختراع عرفته البشرية، لكنك لا تستطيع الاستغناء عنه..
تأخذ نفساً عميقاً وتذهب لتواجه البشر بكل رخامتهم..في الشارع تحاول ان تتصرف برقي لكن الجميع يصر علي ان هذه حماقة ..
تجلس في محاضراتك الصباحية تنصت بنصف أذن ونصف عقل..تفكر انك واقع تحت ضغط نفسي ..ربما يكون نكرة علي المقياس الاقليمي، لكن من يهتم؟ لماذا تطلب مني ان اكتئب لأن العقوبات قد فُرضت من جديد علي السودان، بينما لا يتحرك العالم مليمتراً عندما تلسع المكواه يدي في الصباح..!
وعلي سبيل الاستفادة من الوقت فأنت تميل للتفكير انه وقت مناسب للإنهيار، لكنك تعدل عن رأيك هذا وتقرر التماسك..
المهم انك تقضي الوقت في التفكير والتخطيط لبعض الامور..لا يفوتك اقتناص بعض المعلومات المهمة من المحاضرة بعين وعقل خبير..لكنك تتجاهل الهراء كذلك بعقل أكثر خبرة..بعدها تفرغ نفسك وعقلك تماماَ لإنهاء الهووم وورك مع مجموعتك الدراسية…تعمل ويعملون..تعمل ويعملون..حتي يطول الأمر جداً..تطلبون غذاءاً تلتهم نصيبك منه وانت تحدق في شاشة الحاسب الالي..يجرب الكثير من المارين جر شكلك لكنك تحتفظ بهدوءك..تحاول ان تظُهر لهم انك في حالة تسامح مع النفس..وتعيش دور (خالد النبوي) علي البشر..حتي أقربهم إليك لا يعرف عنك الا القليل..أين العيب بالضبط؟
هنا تجتاحك مشاعر شتي لكنك تعلمت وتتعلم كيف تسيطر عليها..كيف يكتب د.نبيل فاروق جمله(سيطر أدهم علي مشاعره وقال..) هذه بالذمه؟!…السيطرة علي المشاعر هذا شئ صعب جدا جدا جدا..أعتقد ان المشاعر هي أقوي مُحرك للبشر، وهي قوة كاسحة لا يمكن الوقوف امامها..فبأي لعنة شيطانية يستطيع أدهم صبري السيطرة علي مشاعره ليواصل ما يفعله؟!!!
تنتهون من العمل علي النسخة المرنة في منتصف الليل..يأتي دور المرحلة السخيفة (تحويل النسخة المرنة إلي نسخة صلبة)..هكذا تنهضون لتذهبوا إلي مكتب الطباعة القريب..كل أبواب الجامعة الفرعية مغلقة..يعرف أصدقائك انك لن تقفز من فوق السور أو من خلاله لذا فهم يحترمون وجودك معهم ويسيرون جميعاً حتي الباب الرئيسي..تحاول ان تنأي بنفسك قليلاً لتحظي ببعض السلام النفسي..تتذكر الشبح الذي تحلم بأن يبرز لك من وسط هذه الخرائب المظلمة ذات يوم..شبح دخاني وهمي يحمل زكيبة خلف ظهره وينطق الحروف الأبجدية علي سبيل الإنذار النهائي ثم يبدأ مرحلة التصفية..رحلة ملُهمة وخيالية التأثير هي حتي تصل إلي الباب الرئيسي، ومنه إلي مكتب الطباعة حيث تترك زملائك يتابعون عملية الطباعة فوق رأس العامل وتنأي انت بحاسبك المحمول إلي ركن ما لتضع اللمسات الأخيرة علي احدي اللوحات…هنا تشرد امام الشاشة الملونة..
تشعر انك تريد ان تصرخ..تتمني لو ان بإمكانك ان تعتلي مسرحاً خالياً وخلفك فرقة عزف عاتية، لتلتقط الميكروفون وتغني أغاني الميتال الثقيلة المليئة بالصراخ علي سبيل الإفراغ النفسي..هكذا يفعل (حاتم) بطل قصتك (شجرة العسل) دوما بين الحين والاخر..وتتمني لو ان بإمكانك ان تقلده..
تريد ان تعدو..تريد ان تقلد توم كروز في سماء الفانيلياVanilla sky وتطلق العنان لساقيك وسط ميدان التحرير الخالي..ستجري طويلاً جدا وسط الظلام قبل ان تبدأ الترنح ثم تسقط علي الأرض لاهثاً منهكاً..لكنك ستضحك في هيستريا عندئذ..لقد فرغت طاقتك النفسية كلها عبر ساقيك واستقر الضحك فيك علي سبيل تجديد الدورة الدموية خاصتك..
ثم انك كالمعتاد تشعر بمشاعرك وحنينك يفيض عبر عينيك لكنك تسارع بالتماسك حفاظا علي كبريائك..ليس الان ايضاً !
تبعد هنا أفكارك الخاصة بالغناء والعدو والبكاء وتركز في إنهاء هذا الواجب الثقيل..تفعل وتنهض لتتابع عملية الطباعة مع زملائك الذين يتشاجرون مع العامل علي الدوام لأنه غبي ..تبتسم في شفقة وتقرر الانتظار في الخارج..
هنا تتذكر lost وماثيو فوكس..الطبيب الذي يحمل الحقيبة خلف ظهره ويجوب الأدغال ليواجه مصيره المحتوم، متلقياً ضربات القدر العاتية بصلابه تلين في أوقات كثيرة يسمح لنفسه فيها بإحتضان رأسه والبكاء ..تفكر انك تعشق ماثيو فوكس بحق، وتقلده كثيراً بدون ان تشعر..
بعد الانتهاء يحين موعد العودة..تستقر خلف نافذة زجاجية تعود بك إلي منزلك ترمق الشارع بنهم والسماعات تتدلي عبر أذنك وصوت كريستوفر دوتري العاتي لا يكف عن الترديد :
it’s not over
because a part of me is dead and in the ground
this love’s killing me but you the only one
it’s not over..
فتفكر في كلامـه..هل لم تنتهي الأمور فعلاً؟..لقد شعرت بأنك قد فقدتها مرتين، فكيف تشعر الان؟…بالحيرة؟…لا تعرف ماذا تريد؟..إجازة؟..أنت تخدع نفسك !
تنظر حولك إلي القلائل المتناثرين العائدين إلي منازلهم في هذه الساعة..المكان شبة مظلم..كل الظروف مواتيه..لكنك تتجاوز اللحظه من جديد مواصلاً الإنصات لكريس الذي ينصحك بالبدء من جديد let’s start over…oh yeaaaaaah ..ليس الان كذلك !
دقائق اخري وتجد نفسك تفتح باب الشقة لتخطو إلي الداخل..تستقبلك والدتك في لهفة متثاؤبة..لاتنام ابدا قبل مجيئك..تسألك عن يومك وتعرض عليك تجهيز العشاء، لكنك ترفض غالباً..تمر لتلقي بنظرة علي أخيك وعلي أبيك النائمين..ثم تلقي تحية المساء علي والدتك وتغلق باب غرفتك عليك ..
الحذاء إلي اليسار فوراً..والحقيبة إلي اليمين كيفما اتفق..وانت نفسك فوق السرير في ثوان تنظر للسقف في خمول..
هنا تقول في رضا : الان يبدو وقتاً مناسباً..!
هنا والان فقط تترك العنان لمشاعرك وحنينك المُقيدين !
أحدث التعلقات